فصل: تفسير الآيات (52- 54):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان المشهور بـ «تفسير القرطبي»



.تفسير الآية رقم (49):

{وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (49)}
قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ} يعني التوراة، وخص موسى بالذكر لان التوراة أنزلت عليه في الطور، وهارون خليفة في قومه. ولو قال: {ولقد آتيناهما} جاز كما قال: {وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ} [الأنبياء: 48].

.تفسير الآية رقم (50):

{وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ (50)}
قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً} 50 تقدم في {الأنبياء} القول فيه. {وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ} 50 الربوة المكان المرتفع من الأرض، وقد تقدم في البقرة. والمراد بها ها هنا في قول أبى هريرة فلسطين. وعنه أيضا الرملة، وروى عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وقال ابن عباس وابن المسيب وابن سلام: دمشق.
وقال كعب وقتادة: بيت المقدس. قال كعب: وهى أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا. قال:
فكنت هميدا تحت رمس بربوة ** تعاورني ريح جنوب وشمال

وقال ابن زيد: مصر.
وروى سالم الأفطس عن سعيد بن جبير: {وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ 50} قال: النشز من الأرض. {ذاتِ قَرارٍ} 50 أي مستوية يستقر عليها.
وقيل: ذات ثمار، ولأجل الثمار يستقر فيها الساكنون. {وَمَعِينٍ} 50 ماء جار ظاهر للعيون. يقال: معين ومعن، كما يقال: رغيف ورغف، قاله علي بن سليمان.
وقال الزجاج: هو الماء الجاري في العيون، فالميم على هذا زائدة كزيادتها في مبيع، وكذلك الميم زائدة في قول من قال إنه الماء الذي يرى بالعين.
وقيل: إنه فعيل بمعنى مفعول. قال علي بن سليمان: يقال معن الماء إذا جرى فهو معين ومعيون. ابن الاعرابي: معن الماء يمعن معونا إذا جرى وسهل، وأمعن أيضا وأمعنته، ومياه معنان.

.تفسير الآية رقم (51):

{يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (51)}
فيه ثلاث مسائل:
الأولى: روى الصحيح عن أبى هريرة قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: {يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} وقال تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ} [البقرة: 172]- ثم ذكر- الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك».
الثانية: قال بعض العلماء: والخطاب في هذه الآية للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأنه أقامه مقام الرسل، كما قال: {الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ} [آل عمران: 173] يعني نعيم بن مسعود. وقال الزجاج: هذه مخاطبة للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ودل الجمع على أن الرسل كلهم كذا أمروا، أي كلوا من الحلال.
وقال الطبري: الخطاب لعيسى عليه السلام، روى أنه كان يأكل من غزل أمه. والمشهور عنه أنه كان يأكل من بقل البرية. ووجه خطابه لعيسى ما ذكرناه من تقديره لمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تشريفا له.
وقيل: إن هذه المقالة خوطب بها كل نبى، لان هذه طريقتهم التي ينبغي لهم الكون عليها. فيكون المعنى: وقلنا يا أيها الرسل كلوا من الطيبات، كما تقول لتاجر: يا تجار ينبغي أن تجتنبوا الربا، فأنت تخاطبه بالمعنى. وقد اقترن بذلك أن هذه المقالة تصلح لجميع صنفه، فلم يخاطبوا قط مجتمعين صلوات الله عليهم أجمعين، وإنما خوطب كل واحد في عصره. قال الفراء: هو كما تقول للرجل الواحد، كفوا عنا أذاكم.
الثالثة: سوى الله تعالى بين النبيين والمؤمنين في الخطاب بوجوب أكل الحلال وتجنب الحرام، ثم شمل الكل في الوعيد الذي تضمنه قوله تعالى: {إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} صلى الله على رسله وأنبيائه. وإذا كان هذا معهم فما ظن كل الناس بأنفسهم. وقد مضى القول في الطيبات والرزق في غير موضع، والحمد لله.
وفي قوله عليه السلام: «يمد يديه» دليل على مشروعية مد اليدين عند الدعاء إلى السماء، وقد مضى الخلاف في هذا والكلام فيه والحمد لله. وقوله عليه السلام: «فأنى يستجاب لذلك» على جهة الاستبعاد، أي أنه ليس أهلا لاجابة دعائه لكن يجوز أن يستجيب الله له تفضلا ولطفا وكرما.

.تفسير الآيات (52- 54):

{وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (52) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (53) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (54)}
فيه أربع مسائل:
الأولى: قوله تعالى: {وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً} المعنى: هذا الذي تقدم ذكره هو دينكم وملتكم فالتزموه. والامة هنا الدين، وقد تقدم محامله، ومنه قوله تعالى: {إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ} [الزخرف: 22] أي على دين.
وقال النابغة:
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ** وهل يأثمن ذو أمة وهو طائع

الثانية: قرئ {وَإِنَّ هذِهِ} بكسر {إِنَّ} على القطع، وبفتحها وتشديد النون. قال الخليل: هي في موضع نصب لما زال الخافض، أي أنا عالم بأن هذا دينكم الذي أمرتكم أن تؤمنوا به.
وقال الفراء: {أن} متعلقة بفعل مضمر تقديره: واعلموا أن هذه أمتكم. وهى عند سيبويه متعلقة بقوله: {فاتقون}، والتقدير فاتقون لان أمتكم واحدة. وهذا كقوله تعالى: {وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً} [الجن: 18]، أي لان المساجد لله فلا تدعوا معه غيره. وكقوله: {لِإِيلافِ قُرَيْشٍ 10: 1} [قريش: 1]، أي فليعبدوا رب هذا البيت لإيلاف قريش.
الثالثة: وهذه الآية تقوى أن قوله تعالى: {يا أَيُّهَا الرُّسُلُ} إنما هو مخاطبة لجميعهم، وأنه بتقدير حضورهم. وإذا قدرت {يا أَيُّهَا الرُّسُلُ} مخاطبة لمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قلق اتصال هذه الآية واتصال قوله: {فَتَقَطَّعُوا}. أما أن قوله: {وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} وإن كان قيل للأنبياء فأممهم داخلون فيه بالمعنى، فيحسن بعد ذلك اتصال. {فَتَقَطَّعُوا} أي افترقوا، يعني الأمم، أي جعلوا دينهم أديانا بعد ما أمروا بالاجتماع. ثم ذكر تعالى ن كلا منهم معجب برأيه وضلالته وهذا غاية الضلال.
الرابعة: هذه الآية تنظر إلى قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة وإن هذه الامة ستفترق على ثلاث وسبعين ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهى الجماعة» الحديث. خرجه أبو داود، ورواه الترمذي وزاد: قالوا ومن هي يا رسول الله؟ قال: «ما أنا عليه وأصحابي» خرجه من حديث عبد الله بن عمرو. وهذا يبين أن الافتراق المحذر منه في الآية والحديث إنما هو في أصول الدين وقواعده، لأنه قد أطلق عليها مللا، وأخبر أن التمسك بشيء من تلك الملل موجب لدخول النار. ومثل هذا لا يقال في الفروع، فإنه لا يوجب تعديد الملل ولا عذاب النار، قال الله تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً} [المائدة: 48]. قوله تعالى: {زُبُراً} يعني كتبا وضعوها وضلالات ألفوها، قاله ابن زيد.
وقيل: إنهم فرقوا الكتب فاتبعت فرقة الصحف وفرقة التوراة وفرقة الزبور وفرقة الإنجيل، ثم حرف الكل وبدل، قاله قتادة.
وقيل: أخذ كل فريق منهم كتابا آمن به وكفر بما سواه. و{زُبُراً} بضم الباء قراءة نافع، جمع زبور. والأعمش وأبو عمرو بخلاف عنه {زبرا} بفتح الباء، أي قطعا كقطع الحديد، كقوله تعالى: {آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ} [الكهف: 96]. {كُلُّ حِزْبٍ} أي فريق وملة. {بِما لَدَيْهِمْ} أي عندهم من الدين. {فَرِحُونَ} أي معجبون به. وهذه الآية مثال لقريش خاطب محمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في شأنهم متصلا بقوله: {فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ} أي فذر هؤلاء الذين هم بمنزلة من تقدم، ولا يضيق صدرك بتأخير العذاب عنهم، فلكل شيء وقت. والغمرة في اللغة ما يغمرك ويعلوك، وأصله الستر، ومنه الغمر الحقد لأنه يغطى القلب. والغمر الماء الكثير لأنه يغطى الأرض. وغمر الرداء الذي يشمل الناس بالعطاء، قال:
غمر الرداء إذا تبسم ضاحكا ** غلقت لضحكته رقاب المال

المراد هنا الحيرة والغفلة والضلالة. ودخل فلان في غمار الناس، أي في زحمتهم. وقوله تعالى: {حَتَّى حِينٍ} قال مجاهد: حتى الموت، فهو تهديد لا توقيت، كما يقال: سيأتي لك يوم.

.تفسير الآيات (55- 56):

{أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ (55) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ (56)}
قوله تعالى: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ} {ما} بمعنى الذي، أي أيحسبون يا محمد أن الذي نعطيهم في الدنيا من المال والأولاد هو ثواب لهم، إنما هو استدراج وإملاء، ليس إسراعا في الخيرات.
وفي خبر {أِنَّ} ثلاثة أقوال، منها أنه محذوف.
وقال الزجاج: المعنى نسارع لهم به في الخيرات، وحذفت به.
وقال هشام الضرير قولا دقيقا، قال: {أَنَّما} هي الخيرات، فصار المعنى: نسارع لهم فيه، ثم أظهر فقال: {فِي الْخَيْراتِ}، ولا حذف فيه على هذا التقدير. ومذهب الكسائي أن {إِنَّما} حرف واحد فلا يحتاج إلى تقدير حذف، ويجوز الوقف على قوله: {وَبَنِينَ}. ومن قال: {أَنَّما} حرفان فلا بد من ضمير يرجع من الخبر إلى اسم {أَنَّ} ولم يتم الوقف على {وَبَنِينَ}.
وقال السختياني: لا يحسن الوقف على {وَبَنِينَ}، لان {يَحْسَبُونَ 30} يحتاج إلى مفعولين، فتمام المفعولين {فِي الْخَيْراتِ} قال ابن الأنباري: وهذا خطأ، لان {إِنَّ} كافية من اسم أن وخبرها ولا يجوز أن يؤتى بعد {إِنَّ} بمفعول ثان. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمى وعبد الرحمن بن أبى بكرة {يسارع} بالياء، على أن يكون فاعله إمدادنا. وهذا يجوز أن يكون على غير حذف، أي يسارع لهم الامداد. ويجوز أن يكون فيه حذف، ويكون المعنى يسارع الله لهم. وقرى {يسارع لهم في الخيرات} وفية ثلاثة أوجه: أحدها على حذف به. ويجوز أن يكون يسارع الامداد. ويجوز أن يكون {لَهُمْ} اسم ما لم يسم فاعله، ذكره النحاس. قال المهدوي: وقرأ الحر النحوي {نسرع لهم في الخيرات} وهو معنى قراءة الجماعة. قال الثعلبي: والصواب قراءة العامة، لقوله: {نمدهم}. {بَلْ لا يَشْعُرُونَ} أن ذلك فتنة لهم واستدراج.

.تفسير الآيات (57- 60):

{إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (57) وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (58) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (59) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ (60)}
قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ} لما فرغ من ذكر الكفرة وتوعدهم عقب ذلك بذكر المؤمنين المسارعين في الخيرات ووعدهم، وذكر ذلك بأبلغ صفاتهم. و{مُشْفِقُونَ} خائفون وجلون مما خوفهم الله تعالى. {وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ. وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} 58-60 قال الحسن: يؤتون الإخلاص ويخافون ألا يقبل منهم.
وروى الترمذي عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالت: سألت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن هذه الآية {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ 60} قالت عائشة: أهم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟ قال: «لا يا بنت الصديق ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون وهم يخافون ألا يقبل منهم أولئك الذين يسارعون في الخيرات».
وقال الحسن: لقد أدركنا أقواما كانوا من حسناتهم أن ترد عليهم أشفق منكم على سيئاتكم أن تعذبوا عليها. وقرأت عائشة رضي الله عنها وابن عباس والنخعي: {والذين يأتون ما أتوا} مقصورا من الإتيان. قال الفراء: ولو صحت هذه القراءة عن عائشة لم تخالف قراءة الجماعة، لان الهمز من العرب من يلزم فيه الالف في كل الحالات إذا كتب، فيكتب سئل الرجل بألف بعد السين، ويستهزئون بألف بين الزاي والواو، وشئ وشئ بألف بعد الياء، فغير مستنكر في مذهب هؤلاء أن يكتب {يُؤْتُونَ} بألف بعد الياء، فيحتمل هذا اللفظ بالبناء على هذا الخط قراءتين {يُؤْتُونَ ما آتَوْا 60} و{يأتون ما أتوا}. وينفرد ما عليه الجماعة باحتمال تأويلين: أحدهما- الذين يعطون ما أعطوا من الزكاة والصدقة وقلوبهم خائفة. والآخر- والذين يؤتون الملائكة الذين يكتبون الأعمال على العباد ما آتوا وقلوبهم وجلة، فحذف مفعول في هذا الباب لوضوح معناه، كما حذف في قوله عز وجل: {فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ} [يوسف: 49] والمعنى يعصرون السمسم والعنب، فاختزل المفعول لوضوح تأويله. ويكون الأصل في الحرف على هجائه الوجود في الامام {يأتون} بألف مبدلة من الهمزة فكتبت الالف واوا لتآخى حروف المد واللين في الخفاء، حكاه ابن الأنباري. قال النحاس: المعروف من قراءة ابن عباس {والذين يأتون ما أتوا} وهي القراءة المروية عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعن عائشة رضي الله عنها، ومعناها يعملون ما عملوا، كما روى في الحديث. والوجل نحو الإشفاق والخوف، فالتقى والتائب خوفه أمر العاقبة وما يطلع عليه بعد الموت.
وفي قوله: {أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ} 60 تنبيه على الخاتمة.
وفي صحيح البخاري: «وإنما الأعمال بالخواتيم». وأما المخلط فينبغي له أن يكون تحت خوف من أن ينفذ عليه الوعيد بتخليطه.
وقال أصحاب الخواطر: وجل العارف من طاعته أكثر وجلا من وجله من مخالفته، لان المخالفة تمحوها التوبة، والطاعة تطلب بتصحيح الغرض. {أَنَّهُمْ} أي لأنهم، أو من أجل {أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ} 60.